مناع القطان
275
مباحث في علوم القرآن
الأولى : هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس ، أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم ، أو الاستدلال له من العلم ، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائي في حقائقه ، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق ، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة . والثانية : سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته . وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي ، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ، بل يصادفه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته ، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق ، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة . والثالثة : هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف - لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر ، وكل يوم يجد فيها جديد » « 1 » الإعجاز التشريعي أودع اللّه في الإنسان كثيرا من الغرائز التي تعتمل في النفس وتؤثر عليها في اتجاهات الحياة ، ولئن كان العقل الرشيد يعصم صاحبه من الزلل فإن النزعات النفسية المنحرفة تطغي على سلطان العقل ، ولا يستطيع العقل أن يكبح جماحها في كل حال . لهذا كان لا بد لاستقامة الإنسان من تربية خاصة لغرائزه ، تهذبها وتنميها ، وتقودها إلى الخير والفلاح .
--> ( 1 ) اقتبسنا هذه الفقرات من كتاب « في ظلال القرآن » بتصرف .